الغزالي

199

إحياء علوم الدين

ومن آياته الظاهرة التي تحدّى بها مع كافة العرب القرءان العظيم ، فإنهم مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدّفوا لسبيه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عز وجل عنهم ، ولم يقدروا على معارضته بمثل القرءان ، إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرءان ونظمه ، هذا مع ما فيه من أخبار الأولين ، مع كونه أميا غير ممارس للكتب ، والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال ، كقوله تعالى : * ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ ) * وكقوله تعالى : * ( ألم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأَرْضِ وهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ) * ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى ، فمهما كان مقرونا بتحدى النبي صلَّى الله عليه وسلم ينزّل منزلة قوله : صدقت ، وذلك مثل القائم بين أيدي الملك المدعى على رعيته أنه رسول الملك إليهم ، فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل الملك ذلك ، حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلَّى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول الأصل الأول « الحشر والنّشر » [ 1 ] وقد ورد بهما الشرع ، وهو حق ، والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن . ومعناه الإعادة بعد الافناء ، وذلك مقدور لله تعالى ، كابتداء الانشاء ، قال الله تعالى : * ( قالَ من يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * فاستدل بالابتداء على الإعادة . وقال عز وجل : * ( ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) * والإعادة ابتداء ثان ، فهو ممكن كالابتداء الأول